النويري

18

نهاية الأرب في فنون الأدب

عن غير قصد ، وأنها إنما احترقت على جارى العادة في وقوع النيران في أماكن على سبيل الغلط وعدم التحفظ والاحتراز ، ثم سكن ذلك إلى يوم السبت الخامس عشر من جمادى الأولى ، فوقع الحريق في القاهرة ومصر ، وكان أول الحريق بخط حارة الدّيلم [ 1 ] ، فاحترقت دار الشريف بدر الدين نقيب الأشراف ، وما يجاورها من دور [ الأشراف ] [ 2 ] والمسلمين ، فكان جملة ما احترق من الدور المتجاورات ما ينيف على ثلاثين دارا يقارب المائة مسكن ، واشتدت النار وعظمت ، واستمرت بذلك المكان أياما ، وخيف أن تتصل بدار « القاضي كريم الدين » ناظر الخواص السلطانية ووكيلها ، وبها أموال السلطان والأقمشة وغير ذلك من التحف ، وهو يوم ذاك بثغر الإسكندرية ، فرسم السلطان بركوب الأمراء لذلك ، فحضر الأمراء وغلمانهم ، والسقايين والقصارين وغيرهم ، وركب نائب السلطنة والحجاب وأمير جاندار [ 3 ] ، وغيرهم من أعيان الأمراء ، واجتهدوا في أمر النار إلى أن طفيت ، بعد أن هدم وعدم بسببها من الدور والأموال والأقمشة والأصناف ما لا تحصى قيمته . واختلفت الأقاويل ، فقائل يقول : إنها من السماء ، وقائل يقول : لعلها من قبل الملوك والأعداء ، وآخر يقول : إنما فعله البطالون من الجند والحرافيش [ 4 ] لقصد النهب ، وقائل يقول : إنما هو من فعل النصارى . وترادف الحريق ، وتوالى ، فاحترقت عدة دور من مساكن الأمراء ، وكانت النيران تقع في أعالي الدور والباذهنجات [ 5 ] ، فاحتفل الناس لذلك وتأهبوا ، واستكثروا من الدّنان والخوابى ، وملئوها ماء ، ووضعوها في الطرقات وعلى أبواب الحوانيت

--> [ 1 ] في المقريزي ( الخطط 2 / 8 ) إنها عرفت بذلك لنزول الديلم الواصلين مع هفتكين الشرابى حين قدم ومعه أولاد مولاه معز الدولة البويهي وجماعة من الديلم والأتراك في سنة 368 ه فسكنوا بها فعرفت بهم . [ 2 ] ما بين الحاصرتين من « أ » ص 9 وعبارة « ك » من دور المسلمين . [ 3 ] في « أ » ص 10 وأمير خاندار . [ 4 ] الحرافيش واحدهم حرفوش ، ويفهم من السياق أن مراده العامة أو الرعاع ( وانظر أيضا : معيد النعم ص 96 ) ، ولعلها من أحرنفش : إذا تهيأ للشر ، أو من الحرنفش وهو الغليظ الجافي الطبع ( وانظر مادة أحرنفش في تاج العروس 4 / 297 ) . [ 5 ] الباذهنجات : جمع الباذهنج ، ويقال له أيضا البادنج وهو منفذ في سطح الدار على هيئة أسطوانة لها فتحة في الجهة الغربية يدخل منها النسيم ( عن قاموس استينجاس ، وشفاء الغليل ) وانظر أيضا ( السلوك 2 / 222 ) ومطالع البدور ( 1 / 45 ) .